خيانة الذات

اعتناءنا واهتمامنا بأنفسنا من كل الجوانب العقلية والجسدية للحفاظ على صحتنا وعافيتنا واجب علينا تجاه أنفسنا. لكننا في بعض الأحيان نغفل هذا الأمر وهذا يعد خيانة لأنفسنا وقيمنا وصحتنا وعافيتنا وطاقتنا العقلية ولا يصح المساومة عليها. تذكر أنه في كل مرة لا تطلب المساعدة عندما تحتاجها، أو تنبذ وترفض مشاعرك أو تخفي ما تشعر به حقًا، أو توافق على أشياء لا تريد القيام بها أو لا تتماشى مع قيمك، أو لا تسمح لنفسك بأخذ قسط من الراحة عندما تشعر بالتعب، أو عندما تهرب من المواجهة على حساب نفسك وقيمك وسعادتك، وتصر على أوضاع وعادات قديمة لا تفيدك ولا تمكنك من تحقيق ما تصبو إليه، أو تستمر في علاقة سامة تقتل روحك، في كل مرة تقوم بهذه الأفعال تجاه نفسك فأنت تخونها.

نعم ننشغل وتصبح الحياة صاخبة بالعمل والمسئوليات وننغمس فيها أو في أنشطة تافهة مثل الفيديو جيمز أو السوشيال ميديا، وكاستجابة بشرية طبيعية، نقنع أنفسنا أن نكون مرنين وننحني لظروفنا. في بعض الأحيان يستدعي موقف ما أن نضطر إلى التنازل عن جزء من رعايتنا الذاتية. هل هذه هي الحياة التي تريد أن تحياها، حياة تمتص الحياة من أوصالك والبهجة من قلبك؟ علينا اليوم أن نتحقق من أننا لا نلقي بأنفسنا في التهلكة ونضحي برفاهيتا الكاملة مدعين أننا مشغولين ونحن متشاغلين، وأننا نقضي أوقاتنا في تحقيق مسئولياتنا ونحن نضيع الوقت فيما لا يفيد. نحن من نفقد حياتنا توازنها ... نحن من نخون أنفسنا ونخون من نحب عندما لا نحدد أولوياتنا، ونسعد بإدمان سلوكي يعطينا سعادة مزيفة للحظات.

علينا أن نركز على ما يمكننا التحكم فيه ... وليس الأمور التي لا تخضع لسيطرتنا والتي لا تتعلق باختياراتنا وقراراتنا وأفعالنا ... علينا فقط أن نركز على أفعالنا وليس النتائج ، خاصة في الفوضى التي نعيشها اليوم ... لكن دون ألم ودون استسلام لليأس والإحباط. ونحن نحيا حياة واحدة، وعندما نخون أنفسنا فإننا نوكل سعادتنا للآخرين، مع أننا خلقنا مستقلين تماما، وإرادتنا ليست مستثناة من هذا الاستقلال.

تحدث خيانة الذات عندما نكون على دراية باحتياجاتنا ولكننا نتجاهلها لصالح أولوية خارجية والتي نعتقد أنها تخصنا. إذا كنا نتصرف دائما ضد أنفسنا، فغالبًا ما نشعر بالعواقب في شكل مقاومة. الأولويات التي اعتمدناها كأولوياتنا تظل غير مجدية أو مهمة، ومع ذلك فإننا نستمر في الدفع وإجبار أنفسنا عليها. فالوضع الأمثل  يكون عندما تتوافق وتتراكب جميع أوجه الحياة عندها ستشعر بخفة وبهجة ولن تشعر أنك مستنزفًا أو مرهقًا وأنه عليك أن تدفع نفسك دفعاُ لتستمر في الحياة.

اعرف نفسك، واطلب المساعدة إن احتجت المساعدة، ولا تخفي مشاعرك ولا تتجاهلها بل تعامل معها ... فمشاعرنا حتى السلبية منها، خلقت فينا لتنبهنا إلى ما يجب علينا فعله. ربما يحمل الملل أو الرهبة أو الخوف رسائل مهمة عن ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا. مشاعرنا هي التي تساعدنا على العثور على الأنماط والحافز في مهام معينة والتي ستقودنا إلى حياة أكثر متعة وتفاؤلًا .

اهتم بمطعمك وتحرك وكن نشطاً، واستبدل عاداتك السيئة بأخرى تفيدك واصطبر عليها، وإن اختل توازن حياتك حاول استعادته، وإن اختل مرة أخرى، حاول مرة أخرى ولا تيأس من نفسك. علم نفسك الانضباط وتصرف بحكمة واشحذ بصيرتك حتى ترى حياتك بوضوح تام.

وعاداتنا وطقوسنا اليومية لها أهمية لا تضاهى، فقيم عاداتك وتأثيرها على المدي القصير والمدى الطويل. عقولنا تبحث الأنماط وعندما نركن لنمط ما، يصعب علينا تغييره، فتتبع أنماط حياتك، وأخلق ترتيبات جديدة لنظام حياة صحي مفيد متوازن يجعل أهدافك أكثر احتمالية للتحقيق، ولا تنسى المتعة والبهجة في حياتك اليومية.

العالم لا يديره قانون الندرة والشح، بل الرحابة والكثرة. لكن عقولنا تخدعنا بادعاءات مثل أننا تعيسو الحظ، أو أن التغيير سينزع الأمان من حياتنا أو أننا لن نكون سعداء أبداً إلا إذا حققنا المثالية في كل شيء، أو أننا شخصيات لا تحب ولن نجد من يحبنا، وكأننا دائما على حافة متوقعين السقوط والانهيار في أية لحظة. السعة في الرزق والرحابة في الحياة تأتي من داخلنا، من ايماننا العميق أن كل شيء بقدر لكننا نحتاج لبذل الجهد كي نرتقي لمكانة أفضل.

والتزاماتنا ومسئولياتنا ليست قيوداً تكبلنا، نحن من نصنفها كذلك، فلكي نعيش حياة مُرضية يجب أن نقوم بواجباتنا وأن نطالب بحقوقنا وفقاً لمفاهيم مشتركة بيننا وبين المقربين إلينا تتعلق بالتعايش والسعادة وراحة البال.

إذا كانت إملاءات الآخرين هي الأمر الوحيد الذي نستند إليه، أو إذا كانت رغباتنا واحتياجاتنا فقط هي ما يحركنا، فسنحيا حياة عرجاء ... إما متطرفة نحو التضحية المستمرة والتفاني الذي يفضي للفناء أو نحو حياة نرجسية أنانية تتغذى أنانيتنا فيها على أرواح من حولنا. 

حافظ على مواردك، وحدد بوضوح ما تريد أن تفعله وما لا تريد أن تفعله، ووزع مواردك من وقت وجهد وتركيز وموارد مادية على الأولويات فهذا يخلق مجالًا واسعًا أمامك لتلبية احتياجاتك الحقيقية واحتياجات من هم مسئولين منك. ودائما قيم تأثيرك على الآخرين، هل أنت مصدر بهجة لهم، وقيم تأثير الآخرين عليك وعلى حياتك ... فلا تكن سبب توتر وتعاسة من حولك ولا تسمح لهم أن يكونوا مصدر توتر وتعاسة لك. 

ومناقضة الذات نوع من الخيانة، وعندما لا تتواءم أنشطتنا وأفعالنا وأقوالنا مع ما نفكر فيه ونشعر به، يحدث هذا الصراع الداخلي فتمرض أبداننا وتهرأ أرواحنا ويتعاظم إحساسنا بالرفض لمن أحببناهم في يوم ما. فمن الصعب أن تشعر بحافز ذاتي عندما يكون هناك انفصال أو تناقض بين ما نهتم به وما نفعله ونقضي فيه وقتنا.


Popular Posts